الغزالي

120

إحياء علوم الدين

ومنهم من لا يقدر البقاء أيضا ساعة . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيمم مع القدرة على الماء قبل مضي ساعة ويقول « لعلَّي لا أبلغه » ومنهم من يكون الموت نصب عينيه ، كأنه واقع به ، فهو ينتظره . وهذا الإنسان هو الذي يصلى صلاة مودع . وفيه ورد ما نقل عن [ 1 ] معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه ، لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقيقة إيمانه فقال : ما خطوت خطوة إلا ظننت أنى لا أتبعها أخرى . وكما نقل عن الأسود وهو حبشي ، أنه كان يصلى ليلا ويلتفت يمينا وشمالا فقال له قائل ما هذا ؟ قال أنظر ملك الموت من أي جهة يأتيني فهذه مراتب الناس . ولكل درجات عند الله . وليس من أمله مقصور على شهر كمن أمله شهر ويوم ، بل بينهما تفاوت في الدرجة عند الله ، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ثم يظهر أثر قصر الأمل في المبادرة إلى العمل . وكل إنسان يدعى أنه قصير الأمل وهو كاذب ، وإنما يظهر ذلك بأعماله ، فإنه يعتنى بأسباب ربما لا يحتاج إليها في سنة ، فيدل ذلك على طول أمله . وإنما علامة التوفيق أن يكون الموت نصب العين لا يغفل عنه ساعة . فليستعد للموت الذي يرد عليه في الوقت . فإن عاش إلى المساء شكر الله تعالى على طاعته ، وفرح بأنه لم يضيع نهاره ، بل استوفى منه حظه ، وادخره لنفسه . ثم يستأنف مثله إلى الصباح ، وهكذا إذا أصبح . ولا يتيسر هذا إلا لمن فرغ القلب عن الغد وما يكون فيه . فمثل هذا إذا مات سعد وغنم . وإن عاش سر بحسن الاستعداد ولذة المناجاة فالموت له سعادة ، والحياة له مزيد فليكن الموت على بالك يا مسكين ، فإن السير حاث بك وأنت غافل عن نفسك ، ولعلك قد قاربت المنزل وقطعت المسافة ، ولا تكون كذلك إلا بمبادرة العمل اغتناما لكل نفس أمهلت فيه